أشخاص كثيرون لديهم القدره على فهم واستناج ما يفكر به محدثيهم بمجرد النظر لأعينهم ،
كت أظن هؤلاء الأشخاص القادرون على التطلع بما يجول فى صدور الآخرين موهوبون وأن الله سبحانه وتعالى قد منحهم ملكه عظيمه لم يمنحها الكثيرين ،،
ولكن العجيب أنى لم أكن أعرف أننى من هؤلاء الموهوبون ،
لم أكن أعرف حقا أنى لدى تلك الملكه إلا عندما رأيته ،،
طفل صغير، جميل الملامح بعينين سوداوتين ، ينسدل شعره على وجهه وكأنه ذلك البطل * جيفارا*
كان مستمعا بالغوص فى حضن والدته لا يخرج منه إلا إذا شعر أن الحر الشديد اكتنفها فيحاول هو بحركات يديه أمام وجهها جلب الهواء العليل إليها ، يا للبراءه !!
والذى عرفته أن اسمه * أحمد* من كثرة مناداة والده عليه أمام الركاب
إذ أن لقاءنا كان فى إحدى وسائل المواصلات الذاهبه إلى منزلنا ،
وبمجرد ما ينادى عليه والده إذ بجميع الجالسين يتركوا ما يشغلهم ويلتفتوا إلى أحمد فكان شغلنا الشاغل وهمنا المقيم طوال مشوار العوده

أحمد ليس كالأطفال الآخرين يمرح ويلهو ويلعب فى وسائل المواصلات مثلهم أو يتحدث إلى الركاب بطلاقه فيضحك الجميع بصوته مثلهم ،،
بلى ؛ فقد كان من ذوى الاحتياجات الخاصه تلمحها من حركات عينيه وشكل فمه والتى لولاهما لما وُجهت إلى ذلك الطفل نظرات الشفقه والرحمه ممزوجه بعطف وحنان وحب
أذكر أن عينى لم تفارق عينى أحمد طوال مدة العوده رغم أنى أعتقد أن المشوار قصير جدا وأن مدة اللبث فى المواصلات قليله
لكن لا أدرى ما ذلك السيناريو الذى دار بينى وبينه،
الأشبه بسيناريو العيون فى أى قصه حب سمعناها
وأثناء رحله بحثى فى عينى أحمد امتد خيالى حينها لآفاق بعيده جدا،
فكأنما تخيلت تلك القرنيه البيضاء صفاء قلب ذلك الطفل ونقاؤه وفطرته الجميله والتى ما من أحد منا إلا وتمتع بها فى تلك المرحله الطفوليه البريئه
وتخيلت تلك القزحيه السوداء وكأنها تلك الإعاقه التى شابت ذلك الجمال الهادئ وتلك الروح الصافيه
وبينما أنا مع خيالاتى هذه إذ بأحمد يترك انشغاله بوالدته وينظر إلى ،
ربما لاحظ تعلقى به سبحان الله وكأنما علم أنى أفكر فيه وفى إعاقته وحينها شعرت بدمعه تترقرق فى عينى أحمد تحاول السقوط فدعوت الله ألا تسقط لأنها لو كانت سقطت لأبكتنى وما استطعت اكمال ذلك السيناريو فأنا أعلم أن مثل هؤلاء لديهم قدر مفرط من الحساسيه لأى نظره .
راودتنى ساعتها فكره * اليوجينيا* والتى كنا قد درسناها فى الثانويه العامه والتى من مبادئها أنه
( أى إنسان معاق ليس له الحق أن يعيش حياه كريمه لأنه لن يجلب لنا أى نفع بل سيكون عالا على لجميع وأولهم أهله )
وأذكر أننى كنت ولا زلت أستنكرها بشده وأستنكر حتى وضعها كدرس من دروس اللغه العربيه
فأنى لمعتقدى ذلك المبدأ هذا ؟
هل أغلقت قلوبهم إلى هذه الدرجه ؟
هل مات شعورهم بحق الإنسان إلى هذه الدرجه ؟
هل أصبح الإنسان فى نظرهم مجرد آله عقيمه إذا عملت بجد نتركها تعيش وإذا عطلت فلتمحى من على وجه الأرض ؟
هل ظنوا أنهم من يملكون حق إيهاب الحياة لنا وحق سلبها ؟
ونسوا أنها بيد من هو أكبر منهم جميعا ..
نسوا أن مثل ذلك الطفل روح بشريه هائمه على وجه الأرض وتلتقط أنفاسا وتدق قلوبا مثلهم!!
كيف سولت لهم أنفسهم أن يعلنوا أمام الجميع وعلى العلن ذلك المبدأ بل ويعتنقه الكثيرون ويكون له هذا الصدد على مستوى العالم ؟!
أعلم أن هذه الفكره حتما لن تطبق فى مجتمعنا المسلم مهما حدث ،تعاليمنا السمحه تنفى ذلك ،
ولكن ماذا عن هؤلاء البرايا الذين لا ذنب لهم سوى أنهم وجدوا أنفسهم ببلاد لا تعتنق الإسلام ،،
بلاد أصبحت الماديات حياتها بل كادت أن تصبح إلها لها ؟!!
****
أظن أنه مجرد ابتسامه صادقة ولمسه حنون على الأقل ستعكس أثرا جميلا فى نفوسهم هذا ما جعلنى أتمسك بالابتسامه كلما نظر الطفل إلى ،، كنت أود أن أخبره أنه لا زال هناك أمل طالما لا زالت هناك حياه وأنه يستطيع رغم إعاقته فعل الكثير فلن ينتهى الأمر عند ذلك ،،

تتوالى أفكارى وتتوالى نظرات أحمد إلى حتى أنه لم يكن يخرج من صدر أمه إلا ليعاود النظر إلى من جديد ،،
كنت أود استكمال نظراتى إليه لكنه للأسف الشديد سبقنى ونزل هو ووالديه عند مكان إقامتهما ،
وتركونى وحدى أسترجع من جديد سيناريو العيون الذى دار بيننا والذى أنسانى جميع همومى طول اليوم وولد بقلبى حبا جارفا ليس لأحمد فقط ولكن لتلك الفصيله البريئه بأكملها
ليس هذا فحسب ،،
بل جعلنى أتمسك بطموحى فى التخصص بعد الدراسه فى طب العيون أو الأطفال فكلاهما سيجعلنى أتعامل مع أحمد وأمثاله كل يوم
.....الحمد لله
